إذا كان تطوير التعليم والمهارات يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز قدرة مصر على الاستفادة من الشراكة الاقتصادية مع الصين، فإن التعاون التعليمي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود إعداد الكوادر التي تحتاجها السوق المصرية، بل يجب أن يمتد إلى بناء قدرات أوسع، والاستفادة من الفرص التي تتيحها المبادرات الصينية للدول النامية والأفريقية ، وهنا تبرز أمام مصر فرصة للانتقال من مجرد الاستفادة من الخبرة الصينية إلى المشاركة في نقلها وبناء القدرات إقليميًا، بما يعزز مكانتها ودورها في العالم العربي وأفريقيا.
وهذا يمكن أن يخدم مباشرة هدف مصر في تعزيز قدرتها التنافسية وجذب الاستثمارات والتوسع في العلاقات الاقتصادية مع الصين، كما يمكن أن يدعم مكانتها كمركز إقليمي للتعاون العربي والأفريقي مع الصين.
ويأتي بناء القدرات والتدريب في قلب التعاون المصري الصيني ، حيث وقعت مصر والصين مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في تنمية الموارد البشرية، تتضمن توفير الجانب الصيني 2000 فرصة تدريبية لمصر خلال الفترة من 2025 إلى2027ضمن برامج تدريب ثنائية ومتعددة الأطراف. وذلك خلال الزيارة التاريخية التي قام بها السيد لي تشيانغ، رئيس مجلس الدولة الصيني، إلى مصر، حيث وقع الجانب المصري مع الجانب الصيني في يوليو 2025 (خمس وثائق تعاون) من شأنها تعزيز العلاقات الاستراتيجية المصرية الصينية ، وتشمل هذه الاتفاقيات مذكرة تفاهم بشأن أول استراتيجية للتعاون الإنمائي بين البلدين للفترة 2025/2029، والمرحلة الأولى من برنامج مبادلة الديون بالتنمية.
ومن المهم ألا تنظر مصر إلى هذه الفرص باعتبارها مجرد منح تدريبية، وإنما باعتبارها استثمارًا في القطاعات التي تحتاجها خلال السنوات المقبلة، خصوصًا التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، والصناعة، والتحول الرقمي.
وهنا تفتح المبادرات الصينية الأوسع تجاه الدول النامية والأفريقية مجالًا جديدًا للتعاون، ففي يوليو 2026 أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الصين ستوفر للدول النامية 5000 فرصة في برامج التدريب والندوات الخاصة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، كما أعلن تطوير مراكز دولية للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع عدد من التجمعات، من بينها جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، ليس فقط لأنها دولة نامية يمكن أن تستفيد من هذه البرامج، وإنما لأن موقعها وعلاقاتها العربية والأفريقية يؤهلانها لأن تكون مركزًا إقليميًا لبناء القدرات.
فإذا نجحت مصر، بالتعاون مع الصين، في استضافة برامج تدريبية في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، فإنها تستطيع أن تتحول تدريجيًا من دولة تستفيد من برامج التدريب إلى دولة تشارك في نقل المعرفة وبناء القدرات في العالم العربي وأفريقيا.
وهذا يتفق مع الهدف الثامن في رؤية مصر 2030 الخاص بتعزيز مكانة مصر وقيادتها إقليميًا ودوليًا وتوسيع الشراكات الإقليمية والدولية، كما يتوافق مع توجه مصر نحو دعم التعاون مع أفريقيا والعالم العربي.
واللافت أن المبادرة الصينية في الذكاء الاصطناعي لا تركز على التدريب وحده، وإنما تتحدث عن بناء منظومة أوسع لتنمية القدرات. فقد طرحت الصين مبادرات دولية لبناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، وأكدت أهمية مساعدة الدول النامية على تعزيز بنيتها وقدراتها في هذا المجال، بما يسهم في تقليص الفجوة الرقمية.
وفي هذا الإطار، يمكن لمصر أن تطرح مع الصين إنشاء برامج أو مراكز مصرية صينية مشتركة لبناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، تستضيفها الجامعات المصرية وتشارك فيها مؤسسات صينية، بحيث تشمل التدريب، وإعداد المدربين، وتطوير المناهج، وتبادل الخبرات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والصناعة والزراعة والمياه والطاقة.
وهنا تصبح المنحة أكثر من مجرد فرصة لشخص يسافر إلى الصين؛ إذ يمكن للمتدرب بعد عودته أن ينقل المعرفة إلى زملائه، ويمكن للمؤسسة التعليمية أن تستفيد من الخبرات المكتسبة في تدريب أعداد أكبر. وبذلك يتحول التعاون من تبادل أفراد إلى بناء مؤسسات وقدرات مستدامة.
ولا ينبغي أن يقتصر التعاون على التعليم قبل الجامعي والتعليم الفني، وإنما يجب أن يمتد بقوة إلى المدارس والجامعات والبحث العلمي، فمصر تحتاج إلى أن يكون التعاون مع الصين أكثر ارتباطًا بأولوياتها التنموية، من خلال برامج ومراكز بحثية مشتركة في الذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، وتحلية المياه، والزراعة الذكية، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات الدوائية، والنقل واللوجستيات، والمدن الذكية.
وتقدم التجربة الصينية درسًا مهمًا وهو أنه: لا يمكن إصلاح التعليم بمعزل عن الاقتصاد،فكلما ارتبط التعليم باحتياجات الصناعة وسوق العمل والبحث العلمي، أصبحت مخرجاته أكثر قدرة على دعم التنمية .
وهو مايتوافق مع ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمته بمناسبة افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة في يوليو الماضي ، حيث أكد سيادته علي "..ضرورة مواصلة تطوير منظومة التعليم على أساس الجدارة والتميز، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، والتوسع في اكتشاف ورعاية الموهوبين، بما يضمن بناء أجيال قادرة على المنافسة والإبداع في مختلف المجالات..".
ولذلك فإن التعاون المصري الصيني في التعليم يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا ، فإذا كانت مصر تستهدف جذب استثمارات في السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة الجديدة والتصنيع الذكي، فإن الاستثمار في المصنع وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يصاحبه استثمار في الإنسان الذي سيعمل فيه ويطوره.
ومن هنا يمكن بناء معادلة واضحة: الاستثمار الصيني في مصر يحتاج إلى تعليم مصري قادر على توفير المهارات، والتعليم المصري يحتاج إلى خبرة دولية تساعده على مواكبة التكنولوجيا، والصناعة تحتاج إلى الاثنين معًا.
ومع بداية العقد الثامن من العلاقات المصرية الصينية، يمكن أن يصبح التعليم أحد أهم المجالات التي تنتقل فيها الشراكة من تبادل الخبرات إلى بناء القدرات، ومن بناء القدرات إلى نقل التكنولوجيا، ومن نقل التكنولوجيا إلى إنتاج المعرفة.
وهنا تبرز فرصة تاريخية أمام مصر ، كما يمكن لمصر أن تستثمر موقعها العربي والأفريقي لتصبح شريكًا إقليميًا للصين في مجال بناء القدرات، خاصة في الذكاء الاصطناعي والتعليم الفني والتكنولوجي، بما يحول القاهرة إلى منصة للتعاون التعليمي بين الصين والعالم العربي وأفريقيا.
خلاصة القول يجب أن يكون الاستثمار في التعاون التعليمي المصري الصيني من أطول وأعمق مشروعات الشراكة عمرًا ، لأنه لا يبني مشروعًا واحدًا، وإنما يبني أجيالًا قادرة على بناء عشرات المشروعات.
[email protected]